ابن الجوزي

55

القصاص والمذكرين

ومنهم من يتكلم في دقائق الزهد ومحبة الحق سبحانه ، فلبّس عليه إبليس أنك من جملة الموصوفين بذلك ، لأنك لم تقدر على الوصف حتى عرفت ما تصف وسلكت الطريق . وكشف هذا التلبيس أن الوصف علم والسلوك غير العلم . ومنهم من يتكلم بالطامات والشطح الخارج عن الشرع ويستشهد بأشعار العشق . وغرضه أن يكثر في مجلسه الصياح ولو على كلام فاسد . وكم منهم من يزوق عبارة لا معنى تحتها . وأكثر كلامهم اليوم في موسى والجبل ، وزليخا ويوسف ، ولا يكادون يذكرون الفرائض ولا ينهون عن ذنب . فمتى يرجع صاحب الزنا ومستعمل الربا ؟ وتعرف المرأة حق زوجها ؟ وتحفظ صلاتها ؟ هيهات ! ! هؤلاء تركوا الشرع وراء ظهورهم ولهذا نفقت سلعهم لأن الحق ثقيل والباطل خفيف . ومنهم من يحث على الزهد وقيام الليل ، ولا يبين للعامة المقصود ، فربما تاب الرجل منهم وانقطع إلى زاوية ، أو خرج إلى جبل فبقيت عائلته لا شيء لهم . ومنهم من يتكلم في الرجاء والطمع من غير أن يمزج ذلك بما يوجب الخوف والحذر فيزيد الناس جرأة على المعاصي . ثم يقوى ما ذكر بميله إلى الدنيا من المراكب الفارهة ، والملابس الفاخرة ، فيفسد القلوب بقوله وفعله ) .